الكَلِمَةُ ظِلٌّ يَمْشِي مَعَنَا
الكَلِمَةُ لَيْسَتْ صَوْتًا يَنْفَضُّ في الفَرَاغِ، بَلْ نَقْشٌ خَفِيٌّ على جِدَارِ الدَّاخِلِ يَبْقَى بَعْدَ أَنْ يَذْهَبَ الصَّوْتُ وَيَسْكُتَ اللِّسَانُ. تَنْزِلُ كَقَطْرَةِ نَدًى فَتُورِقُ، أَوْ كَجَمْرَةٍ فَتُحْرِقُ، وَبَيْنَ الإِينَاعِ وَالاحْتِرَاقِ يَتَشَكَّلُ يَوْمُنَا شَيْئًا فَشَيْئًا.
وَمِنْ دَاخِلِ الإِنْسَانِ تَبْدَأُ الرِّحْلَةُ، فَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تَمُرُّ بِالرُّوحِ مَرَّ النَّسِيمِ الرَّطْبِ لا تَضِجُّ وَلَكِنَّهَا تَفْتَحُ في الأَعْمَاقِ نَوَافِذَ كَانَتْ مُوْصَدَةً، فَيَتَّسِعُ الصَّدْرُ قَلِيلًا وَتَخِفُّ خُطَى العَقَبَاتِ. وَفي المُقَابِلِ تَمُرُّ الكَلِمَةُ الجَافَّةُ كَرِيحٍ شَرْقِيَّةٍ لا تَكْسِرُ بِصَخَبٍ وَلَكِنَّهَا تُيَبِّسُ الأَوْرَاقَ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى، حَتَّى يَضِيقَ المَدَى وَيَتَرَاجَعَ الضَّوْءُ. وَالعُمْرُ يَمْضِي وَتَتَسَاقَطُ التَّفَاصِيلُ كَأَوْرَاقِ الشَّجَرِ، وَيَبْقَى شَيْءٌ مُعَلَّقٌ في عَتَمَةِ الذَّاكِرَةِ: حَرْفٌ قَالَهُ أَحَدٌ في لَحْظَةٍ عَابِرَةٍ فَصَارَ مَوْطِنًا نَرْجِعُ إِلَيْهِ كُلَّمَا ضِقْنَا.
وَإِذَا اتَّسَعَتِ الدَّائِرَةُ مِنَ الدَّاخِلِ إلى مَسَافَاتِ النَّاسِ، صَارَ الحَرْفُ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِمَّا جِسْرًا وَإِمَّا سُوْرًا. فَإِذَا جَاءَ رَقِيقًا مَشَتِ الأَرْوَاحُ عَلَيْهِ بِلا حَذَرٍ وَتَشَابَكَتِ الأَيْدِي في العَمَلِ كَأَنَّهَا يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا جَاءَ خَشِنًا ارْتَفَعَ الجِدَارُ فَجْأَةً فَتَبَرَّدَتِ الدَّرَجَةُ وَانْسَحَبَ الضَّوْءُ مِنَ الغُرْفَةِ. وَفي بُيُوتٍ تَثْقُلُهَا المَسْؤُولِيَّاتُ لا يَحْتَاجُ التَّعَبُ إلى تَفْسِيرٍ طَوِيلٍ، بَلْ إلى لَفْظَةٍ تَضَعُ يَدَهَا على الكَتِفِ دُونَ أَنْ تَنْطِقَ بِالعِتَابِ، فَلا يَكُونُ الرِّضَا حِينَئِذٍ قِنَاعًا بَلْ مَاءً يَتَسَرَّبُ إلى الجُذُورِ فَيُحْيِيهَا.
وَمَعَ اتِّسَاعِ المَسَافَةِ يَتَحَوَّلُ الأَثَرُ إلى نَهْرٍ كَبِيرٍ اسْمُهُ المُجْتَمَعُ، وَالكَلِمَاتُ هِيَ المَجَارِي التي تُحَدِّدُ اتِّجَاهَهُ. فَالكَلِمَةُ الرَّقِيقَةُ تُوَسِّعُ الضِّفَافَ فَيَجْرِي المَاءُ هَادِئًا يَسْقِي وَيَجْمَعُ الشَّتَاتَ، وَالكَلِمَةُ الحَادَّةُ حَجَرٌ يُلْقَى فَتَكَسَّرُ الدَّوَائِرُ وَيَعْلُو الرَّذَاذُ وَتَتَفَرَّقُ الجُمُوعُ. وَلَقَدْ مَضَتِ الدَّعْوَةُ في الآفَاقِ لا بِضَجِيجِ الحَدِيدِ وَحْدَهُ، بَلْ بِحَرْفٍ نَزَلَ خَفِيفًا فَوَقَرَ ثَقِيلًا، وَصَوَّرَهُ القُرْآنُ شَجَرَةً "أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ" جُذُورُهَا في القُلُوبِ وَظِلُّهَا يَعُمُّ، وَصَوَّرَ نَقِيضَهَا شَجَرَةً اجْتُثَّتْ لا قَرَارَ لَهَا وَلا ثَمَرَ. وَحَتَّى حِينَ يَلْزَمُ التَّقْوِيمُ يَلْزَمُ لَهُ ثَوْبٌ مِنَ اللِّينِ، فَالعِتَابُ بِلا لُطْفٍ يُغْلِقُ البَابَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ المَعْنَى.
وَلِأَنَّ التَّغَيُّرَ لا يَقَعُ فَجْأَةً، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلى مَمَرَّاتٍ ضَيِّقَةٍ نَمْشِي فِيهَا كُلَّ يَوْمٍ بِصَمْتٍ. نَبْدَأُ بِأَنْ نُصْغِيَ إلى مَا يَفِرُّ مِنْ أَفْوَاهِنَا فَنُبَدِّلَ "هَذَا عَسِيرٌ" بِـ "هَذَا يَحْتَاجُ مِفْتَاحًا"، وَ"قَدْ أَخْطَأْتُ" بِـ "مَا زِلْتُ أَتَعَلَّمُ". ثُمَّ نَجْعَلُ بَيْنَ الاسْتِفْزَازِ وَالرَّدِّ فَسْحَةً قَصِيرَةً خَمْسَ ثَوَانٍ يَتَقَدَّمُ فِيهَا العَقْلُ خُطْوَةً فَتَخْرُجُ الكَلِمَةُ أَقَلَّ حِدَّةً وَأَكْثَرَ قُدْرَةً. وَنَلْتَقِطُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ لَحَظَاتٍ نُسَمِّيهَا بِاسْمِهَا: "شُكْرًا لأَنَّكَ اخْتَصَرْتَ الطَّرِيقَ عَلَيَّ اليَوْمَ"، فَنَمْدَحُ الفِعْلَ لا الذَّاتَ لِأَنَّ الفِعْلَ يُعَادُ. وَنَخْتَارُ يَوْمًا نَصُومُ فِيهِ عَنِ الشَّكْوَى، فَإِذَا ذُكِرَ مَا يُتْعِبُ أَتْبَعْنَاهُ بِسُؤَالٍ: "مَاذَا نَفْعَلُ الآنَ؟"
وَهَكَذَا... لا تَمُوتُ الكَلِمَةُ حِينَ نَنْطِقُهَا، بَلْ تَمْضِي أَمَامَنَا كَظِلٍّ تَرْسُمُ مَلَامِحَ المَكَانِ الذي سَنَصِلُ إِلَيْهِ. فَلْنَجْعَلْ لِحُرُوفِنَا مَسَارًا يَلِيقُ بِهَا، مَسَارًا لا يُخَلِّفُ وَرَاءَهُ خَرَابًا بَلْ ظِلًّا نَسْتَرِيحُ تَحْتَهُ نَحْنُ وَمَنْ سَيَأْتُونَ بَعْدَنَا.
_____
بقلم
عادل عطيه سعده
جمهورية مصر العربية
🇪🇬



0 تعليقات