د مصطفي علي يكتب أزمة النخب الحزبية

 

أزمة النخب الحزبية

عندما تتقدم المواقع وتتراجع الأفكار.




كتب د مصطفي علي   🇪🇬


في السياسة كما في الحياة، لا تصنع المؤسسات الكبرى مبانيها ولا شعاراتها، وإنما يصنعها الرجال والنساء الذين يحملون أفكارها ويؤمنون برسالتها.

ولهذا كانت النخبة السياسية على الدوام هي العقل المفكر لأي حزب، والمحرك الأساسي لقدرته على التطور والتأثير والاستمرار.

غير أن المشكلة التي تواجه كثيراً من الأحزاب في مختلف دول العالم لا تتمثل في نقص اللوائح أو الإمكانات التنظيمية، بل في تراجع عملية إنتاج النخب السياسية القادرة على القيادة والتجديد وصناعة الأفكار.

فعندما تضعف النخبة، يضعف الحزب مهما بلغ حجم انتشاره، وعندما تتجدد النخبة، تتجدد معه قدرته على الحضور والتأثير.

وفي الحالة المصرية، تبدو قضية إعداد الكوادر والنخب الحزبية من القضايا التي تستحق اهتماماً متزايداً خلال السنوات المقبلة.

فالمجتمع المصري يمتلك ثروة بشرية هائلة من الكفاءات والخبرات والشباب الطموح، لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل هذه الطاقات إلى قيادات سياسية تمتلك المعرفة والخبرة والرؤية.

إن النخبة السياسية ليست لقباً اجتماعياً، ولا امتيازاً تنظيمياً، ولا موقعاً إدارياً.

إنها في جوهرها قدرة على الفهم والتحليل والتواصل واتخاذ القرار.

ولذلك فإن الحزب الذي يختزل عملية الصعود الداخلي في الاعتبارات الشكلية يفقد مع الوقت قدرته على التجدد، بينما يظل الحزب القادر على اكتشاف الكفاءات ورعايتها أكثر استعداداً للمستقبل.

ولعل من أكبر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها المؤسسات الحزبية أن تتحول المواقع التنظيمية إلى غاية بدلاً من أن تكون وسيلة.

فعندما تصبح المنافسة على المناصب أكبر من المنافسة على الأفكار، يبدأ العمل الحزبي في فقدان جزء من روحه.

إذ إن القيمة الحقيقية لأي موقع سياسي لا تأتي من اسمه، بل من مقدار ما يضيفه صاحبه إلى المؤسسة وإلى المجتمع.

لقد أثبتت التجارب أن الأحزاب القوية لا تبحث فقط عن الأشخاص القادرين على إدارة الحاضر، بل تبحث أيضاً عن الأشخاص القادرين على قراءة المستقبل.

فهي تستثمر في التدريب والتأهيل، وتفتح المجال أمام الأفكار الجديدة، وتمنح الفرصة للأجيال الصاعدة للمشاركة والتعلم واكتساب الخبرة.


وفي عالم يتغير بوتيرة متسارعة، أصبحت الحاجة إلى هذا النوع من النخب أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

فالقضايا المطروحة اليوم تختلف عن تلك التي كانت مطروحة قبل عقد من الزمن، وأدوات التواصل تغيرت، وطبيعة المجتمع تطورت، وتحديات الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا أصبحت أكثر تعقيداً.

ولذلك فإن النخبة السياسية المعاصرة مطالبة بأن تجمع بين الخبرة التقليدية والوعي بالمتغيرات الحديثة.

ومن هنا فإن نجاح الأحزاب المصرية في المستقبل لن يتوقف فقط على جودة برامجها أو قوة تنظيمها، بل سيتوقف أيضاً على قدرتها على صناعة جيل جديد من القيادات السياسية المؤهلة.

قيادات تمتلك المعرفة والقدرة على الحوار، وتحترم الاختلاف، وتفهم طبيعة الدولة الحديثة، وتدرك أن السياسة ليست مجرد منافسة، بل مسؤولية عامة تجاه المجتمع والوطن.

كما أن بناء النخب لا ينبغي أن يقتصر على الدورات التدريبية أو الفعاليات التنظيمية وحدها، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة مؤسسية دائمة.

ثقافة تقوم على اكتشاف المواهب، وتشجيع المبادرة، وإتاحة الفرص، وتقدير الكفاءة، وربط المسئولية بالقدرة على الإنجاز.


إن الحزب الذي ينجح في صناعة نخبة قوية لا يضمن فقط حسن إدارة حاضره، بل يضمن أيضاً سلامة انتقاله إلى المستقبل.

فالأفكار تحتاج إلى من يحملها، والمشروعات تحتاج إلى من يديرها، والطموحات تحتاج إلى من يحولها إلى واقع ملموس.

ولذلك فإن الحديث عن مستقبل الأحزاب المصرية هو في جوهره حديث عن مستقبل النخب السياسية داخلها.

فإذا نجحت الأحزاب في بناء كوادر مؤهلة ومستنيرة وقادرة على العمل العام، فإنها تكون قد وضعت الأساس الحقيقي لاستمرارها وتأثيرها ودورها الوطني.


ما أردت قوله...


إن قوة الأحزاب لا تُقاس بعدد المقرات ولا بعدد اللافتات ولا حتى بعدد الأعضاء، بل تُقاس بقدرتها على إنتاج العقول التي تفكر، والقيادات التي تبادر، والكوادر التي تحمل المشروع من جيل إلى جيل.

فحين تتقدم الأفكار تتقدم الأحزاب، وحين تتراجع الأفكار وتتصدر المواقع وحدها المشهد، يبدأ الضعف من حيث لا يشعر أحد.


دمتم ودامت مصر آمنة بشعبها الحبيب وقائدها العظيم وجيشها الباسل ورجال أمنها الأوفياء

🇪🇬







إرسال تعليق

0 تعليقات