سلسلة معركة الوعي في فكر الأفغاني، و رشيد رضا
"من التحريض الفكري إلى التربية الواعية في مدرسة النهضة"6"
الأديب والمفكر الدكتور عيد كامل حافظ النوقي الصومال 🇸🇴
المقدمة :
لم تكن النهضة الإسلامية الحديثة حدثًا عابرًا في تاريخ الأمة، بل جاءت استجابةً واعية لأزمة مركبة: أزمة فكر، وأزمة وعي، وأزمة تربية. وقد أدرك رواد النهضة الأوائل أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل كان في جوهره احتلالًا للعقل قبل الأرض، وللوعي قبل السياسة، من هنا جاءت معركة الوعي باعتبارها المعركة الأم التي تتفرع عنها سائر المعارك.
وفي قلب هذه المعركة يبرز فكر جمال الدين الأفغاني، وتلميذه الفكري غير المباشر رشيد رضا، باعتبارهما نموذجين متكاملين: الأول مثّل مرحلة التحريض الفكري والاستنهاض العقلي، والثاني جسّد مرحلة البناء التربوي الواعي ،وترشيد النهضة،ويأتي هذا الانتقال المنهجي من الصدمة الفكرية إلى التربية العميقة، ومن الهدم النقدي إلى البناء الحضاري.
أولًا: التحريض الفكري عند الأفغاني ، هدم الاستكانة ،وبعث العقل:
جاء جمال الدين الأفغاني في لحظة تاريخية اتسمت بالجمود، وهيمنة التقليد، واستسلام الأمة لواقعها المتردي. فكان مشروعه في جوهره مشروع إيقاظ قبل أن يكون مشروع بناء مؤسسي. وقد آمن بأن أخطر ما أصاب الأمة هو تعطيل العقل باسم الدين، وتقديس الجمود باسم التراث.
ركز الأفغاني على تحرير العقل المسلم من ثلاثة قيود كبرى:
قيد الاستبداد السياسي، وقيد الجهل الديني، وقيد التبعية الفكرية للغرب. وكان يرى أن الاستعمار لم ينجح إلا بعد أن وجد أمة فقدت الثقة بنفسها، وعقلًا توقف عن السؤال.
لقد مارس الأفغاني التحريض الفكري بوصفه صدمة علاجية، لا إثارة فوضوية؛ فكان خطابه مباشرًا، نقديًا، صادمًا أحيانًا، لكنه موجَّه لإحياء الوعي لا لهدم الدين. وقد دعا صراحة إلى إعادة الاعتبار للاجتهاد، واعتبر أن تعطيله هو بداية الانحدار الحضاري.
وكان يؤكد في أكثر من موضع أن الإسلام لم يكن يومًا عائقًا أمام العلم، أو التقدم، بل إن التخلف نتج عن إساءة فهمه، وعن تحويله إلى طقوس بلا روح، ونصوص بلا عقل.
ثانيًا: من التحريض إلى المراجعة حدود خطاب الصدمة:
على الرغم من القيمة التاريخية الكبرى لخطاب التحريض الفكري، فإن هذا الخطاب ـ بطبيعته ـ لا يصلح أن يكون مرحلة دائمة. وقد أدرك تلامذة مدرسة النهضة أن التحريض، إذا لم يتحول إلى مشروع تربوي منظم، قد يوقظ العقول لكنه لا يبني الإنسان.
من هنا ظهرت الحاجة إلى الانتقال من مرحلة إثارة الأسئلة إلى مرحلة بناء الأجوبة، ومن زلزلة القناعات إلى ترسيخ المنهج. وهذه النقلة تمثلت بوضوح في فكر رشيد رضا، الذي أخذ جذوة الأفغاني، لكنه صاغها في قالب تربوي إصلاحي طويل النفس.
ثالثًا: رشيد رضا ،وبناء التربية الواعية:
جاء رشيد رضا في سياق أكثر نضجًا، حيث بدأت آثار التحريض الفكري تظهر، لكن خطر الانحراف، أو التوظيف الخاطئ للنهضة كان قائمًا. لذلك ركّز مشروعه على التربية الواعية بوصفها الضامن الحقيقي لاستمرار الإصلاح.
والتربية الواعية عند رشيد رضا ليست تعليمًا معلوماتيًا، ولا وعظًا أخلاقيًا مجردًا، بل هي عملية شاملة تهدف إلى:
تصحيح التصور العقدي
ترشيد الفهم الديني
بناء العقل النقدي المنضبط
غرس القيم الأخلاقية المرتبطة بالعمل والواقع
كان يرى أن النهضة لا تقوم بالخطب وحدها، ولا بالسياسة وحدها، بل بإنسانٍ واعٍ يعرف لماذا يؤمن، ولماذا يعمل، ولماذا ينهض.
وفي تفسيره للقرآن، لم يكن رشيد رضا مفسرًا تقليديًا، بل مربيًا فكريًا؛ يربط النص بالواقع، ويستخرج منه سنن الإصلاح، ويواجه الانحرافات الفكرية باسم النص ذاته، لا خارجه.
رابعًا: الفرق المنهجي بين الأفغاني، ورشيد رضا:
يمكن القول إن الأفغاني مثّل مرحلة الثورة على الجمود، بينما مثّل رشيد رضا مرحلة تقويم المسار. فالأفغاني خاطب الأمة بوصفها جسدًا مريضًا يحتاج إلى صدمة توقظه، أما رشيد رضا فخاطبها بوصفها مشروعًا يحتاج إلى تربية طويلة الأمد.
الأفغاني ركّز على تحرير العقل من الخوف والتقليد، بينما ركّز رشيد رضا على تحرير الدين من التحريف، والنهضة من الانحراف. الأول هاجم الاستبداد بقوة، والثاني حذّر من الفوضى باسم الإصلاح. وبهذا اكتمل المشروع النهضوي بين التحريض والتربية، وبين الوعي الثوري والوعي المنهجي.
خامسًا: مدرسة النهضة ،ومعركة الوعي المستمرة:
إن القيمة الكبرى لفكر الأفغاني ورشيد رضا لا تكمن فقط في سياقهما التاريخي، بل في راهنيتهما. فالأمة اليوم تعاني من أزمة وعي مشابهة، وإن اختلفت الأدوات. الاستعمار قديمًا كان عسكريًا مباشرًا، واليوم هو ثقافي وفكري وإعلامي.
ولا تزال معركة الوعي قائمة بين:
وعيٍ منفعِل يكتفي بالشعارات
ووعيٍ واعٍ يبني الإنسان قبل الشعار
وهنا تتجدد الحاجة إلى استلهام مدرسة النهضة: تحريض يوقظ، وتربية تبني، ووعي يوازن بين العقل والنقل، وبين الحماسة والبصيرة.
الخاتمة:
يؤكد هذه المقال أن النهضة الحقيقية لا تولد من فراغ، ولا تستمر بالتحريض وحده. لقد أدرك الأفغاني أن الأمة تحتاج إلى صدمة توقظ عقلها، وأدرك رشيد رضا أن الصدمة بلا تربية قد تنقلب إلى فوضى. ومن هنا كان الانتقال من التحريض الفكري إلى التربية الواعية انتقالًا ضروريًا لبناء نهضة متزنة، مستمرة، وعميقة الجذور.
إن معركة الوعي ليست معركة جيل واحد، بل مشروع أمة، يبدأ بالفكرة، ويترسخ بالتربية، ويثمر حضارة.
المراجع ،والمصادر:
١)جمال الدين الأفغاني، الرد على الدهريين، تحقيق محمد عمارة، دار الهلال، القاهرة.
٢)رشيد رضا، تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
٣)رشيد رضا، الوحي المحمدي، دار المنار، القاهرة.
٤)محمد عمارة، الإمام محمد عبده وجمال الدين الأفغاني: مدرسة النهضة، دار الشروق.
٦)إبراهيم مدكور، التجديد في الفكر الإسلامي، دار المعارف.
٧)مالك بن نبي، شروط النهضة، دار الفكر، دمشق.
٨)عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد، دار الشروق.

0 تعليقات