الأخلاق حين تكون إنسانًا قبل أي شيء
بقلم د لينا أحمد دبة السودان 🇸🇩
الأخلاق ليست كلمات تُقال، ولا شعارات تُرفع، ولا منشورات نزيّنة بها حساباتنا على وسائل التواصل الاجتماعي. الأخلاق هي ما نفعله حين لا يرانا أحد، وهي الطريقة التي نعامل بها الآخرين حين لا ننتظر مقابلًا. هي أن تكون إنسانًا… قبل أن تكون صاحب منصب، أو شهادة، أو سلطة.
الأخلاق تبدأ من البيت. من كلمة "لو سمحت" التي يتعلمها الطفل قبل أن يتعلم الحروف، ومن "شكرًا" التي تغرس فيه معنى الامتنان، ومن اعتذار صادق يراه من والديه فيفهم أن الخطأ ليس عيبًا، بل العيب هو الإصرار عليه. حين يرى الطفل والده يحترم والدته، وأمه تحترم والده، يتشكل داخله ميزان العدل دون أن يشعر.
لكن الأخلاق لا تُختبر في الأوقات السهلة، بل في لحظات الغضب والاختلاف. أن تختلف دون أن تسيء، أن تغضب دون أن تظلم، أن تنتصر دون أن تُهين هنا يظهر معدن الإنسان الحقيقي. الأخلاق هي ضبط النفس عندما تكون قادرًا على الأذى، وهي الرحمة عندما تملك القسوة.
وفي زمن السرعة والسوشيال ميديا، أصبحت الأخلاق أكثر تحديًا. كلمة واحدة قد تجرح إنسانًا لسنوات، وصورة قد تفضح خصوصية لا تعود، وتعليق ساخر قد يهدم ثقة شاب بنفسه. نحن اليوم لا نحتاج فقط إلى تربية أخلاقية، بل إلى وعي رقمي وأخلاقي معًا. فالشاشة لا تعفي من المسؤولية، والاختباء خلف اسم مستعار لا يُسقط القيم.
الأخلاق ليست مثالية زائفة، بل هي سلوك يومي بسيط:
أن تفي بوعدك.
أن تحفظ سرًا.
أن تنصف من يختلف معك.
أن تعتذر إذا أخطأت.
أن تساعد دون أن تُذكّر بعطائك.
المجتمع لا يُبنى بالقوانين وحدها، بل يُبنى بضمائر حيّة. قد تمنع القوانين الجريمة، لكن الأخلاق تمنع الظلم قبل أن يولد. قد تعاقب الأنظمة المخطئ، لكن القيم تربي الإنسان من الداخل.
نحن لا نحتاج إلى جيل ناجح فقط، بل إلى جيل محترم. لا نحتاج إلى أذكياء بلا ضمير، بل إلى أصحاب ضمير حتى وإن كانت إمكاناتهم بسيطة. لأن الأخلاق هي ما يبقى حين يسقط كل شيء آخر.
في النهاية، الأخلاق ليست عبئًا يقيّد حريتنا، بل هي الجسر الذي يجعل حريتنا آمنة على الآخرين.
فكن أخلاقيًا حتى لو لم يكن غيرك كذلك.
فالخُلُق لا يُقاس بما يفعله الناس، بل بما تمليه عليك إنسانيتك.

0 تعليقات