بين النص الديني والأسطورة تَمثُّلات إبليس في "ليلة خاصة"
للروائي محي الدين محمود حافظ
إعداد: برفسير منال الشربيني 🇪🇬
أما قبل،
لم تتفق أي من النصوص الدينية سواء التلمود واللاهوت والزبور وصحف إبراهيم وترنيمة داود وبشارة عيسى والتوراة والإنجيل حول أمر خلق الشيطان، إذ تضاربت الحكايات من هنا وهناك، الأمر الذي لابد أن نقف عنده طويلًا قبل أن نخوض في سبِّه ولعنه، إذ لم تقدم كل تلك النصوص في جميع هذه المصادر رواية موحدة أو تفاصيل واضحة حول هذه المسألة.
فعلى سبيل المثال، فإنه في الأسفار الأولى من التوراة (العهد القديم)، وخاصة سفر التكوين، لا يوجد وصف صريح لكيان يعارض الله؛ بل ذُكرت الحية (בראשית 3: 1-7) كمغوية آدم، إلا أن الفكر اليهودي اللاحق يتضمن روايات عن قوة تعارض الله (سفر التكوين 3: 1-7، الكتاب المقدس العبري/العهد القديم). في بعض المزامير وترنيمة داود (العهد القديم)، توجد تعبيرات عن صراع مع قوى شريرة يُعتقد غالبًا أنها بشرية أو مجازية وليست تصنيفًا للشيطان (سفر المزامير، الكتاب المقدس العبري/العهد القديم).
أثبتت الأبحاث أن "صحف إبراهيم" نصوص دينية قديمة غير موجودة/منقوصة على الأرجح، ولا يوجد ذكر للشيطان فيها، ولكن وردت إشارات متفرقة عنها في نصوص دينية لاحقة (يصعب تحديد مصدر مباشر ومتاح للدراسة). في أسفار أيوب وزكريا (العهد القديم)، يظهر "الشيطان" كمشتكي أو معارض في البلاط السماوي دون وصف تفصيلي لخلقه (سفر أيوب 1: 6-12؛ سفر زكريا 3: 1-2، الكتاب المقدس العبري/العهد القديم).
يقدم التلمود (التلمود البابلي والتلمود الأورشليمي) رؤى مفصلة حول الشيطان (Satan أو Samael) كقوة شريرة، يُنظر إليها غالبًا كتجسيد لـ "الدافع الشرير" (Yetzer Hara) داخل الإنسان، وليس دائمًا ككائن منفصل عن الله، مع آراء متباينة حول طبيعته ودوره.
في الأناجيل (العهد الجديد)، يظهر الشيطان (Σατανᾶς - Satanas أو Διάβολος - Diabolos) كشخصية شريرة رئيسية تعارض يسوع وتحاول إغواءه (متى 4: 1-11، العهد الجديد)، ويُشار إليه بألقاب مثل "رئيس الشياطين" (متى 12: 24، العهد الجديد) و "إله هذا الدهر" (كورنثوس الثانية 4: 4، العهد الجديد)، مفترضًا وجوده كقوة شريرة دون وصف تفصيلي لخلقه (الأناجيل الأربعة: متى، مرقس، لوقا، يوحنا، العهد الجديد).
يقدم اللاهوت المسيحي تفسيرًا مفصلاً لخلق الشيطان كملاك سامٍ خلقه الله خيرًا ثم سقط بكبريائه وعصيانه (رؤيا 12: 9، العهد الجديد؛ وتفسيرات لاهوتية لاحقة لآيات محددة في العهد القديم)، مؤكدًا أنه مخلوق متمرد وخاضع لسلطان الله (الكتاب المقدس؛ كتابات آباء الكنيسة؛ المجامع الكنسية؛ اللاهوتيون اللاحقون)
![]() |
| بروفسير منال الشربيني مصر 🇪🇬 |
يتضح أن مفهوم الشيطان وخلقه تطورا عبر مراحل عديدة؛ بدأت من غياب شخصية واضحة في المراحل الأولى للكتاب المقدس العبري إلى ظهور "المشتكي" لاحقًا، ثم ظهوره شخصية مركزية للشر في التلمود والعهد الجديد، وصولًا إلى تفسير لاهوتي مفصل لسقوط ملاك خير.
أما بعد،
يشير عنوانا "ليلة خاصة محي حافظ" و "رواية مأساة إبليس" إلى عمل فني/أدبي يتمحور حول قصة إبليس، يبدأ بصوت الشيطان حين عاد إلى الجمع، فاعتقد أنهم افتقدوا وجوده بينهم، ذلك لأن منهم من هم أشد ضراوة وبغضاءَ رمرًا وإيذاءًا منه، لكنه توسم فيهم أيضًا، سخريةً من تفوقهم عليه في إحداث الشروالضُّر، إذ يحمل العنوان في طياته دلالات متعددة، تتجاوز المعنى الحرفي لعبارة " ليلة خاصة" يتكلم فيها الشيطان إلى مريديه، لتشير إلى حدث أو تجربة أو مضمون غير اعتيادي، حيث تشير لفظة" خاصة" لليلة بأنها ليلة استثنائية، وجاء اختيار الكاتب لفظة ليلة من (الليل) كإطار زمني غالبًا ما يرتبط بالهدوء، السكون، التأمل، الخلوة، لكنه أيضًا مأوى الغموض، والأسرار، والأحلام، بل و الخطر، ولو كان اختار لفظة " أمسية مثلا" لانحرف مسار التأويل تمامًا، فاختيار الليل كإطار للحدث "الخاص" يعزز عمق التأويل بأن تكون ليلة يلفها السر، ويغشاها الغموض أو إفشاء حقائق مخفية.
يتماس عنوان "ليلة خاصة" مع العديد من المفاهيم والنصوص عبر الثقافات والأديان التي تولي أهمية لليالي معينة، ربما مع ألف ليلة وليلة،؛ العمل الأدبي الشهير الذي يعتمد في إطاره السردي على أهمية كل "ليلة" في تحديد مصير شهرزاد، وفيها، كل ليلة هي "خاصة" لأنها تحمل قصة جديدة وفرصة للبقاء.
وربما تذهب إلى ليالي الأدب الصوفي والباطني التي غالبًا ما تتحدث عن "ليالٍ" خاصة بالخلوة، التأمل، التجربة الروحية العميقة، الكشف، أو اللقاء بالمحبوب الإلهي.
يقول حافظ:
أعلم أنكم افتقدتموني
فالغل والحقد
يتوغل داخل اوصالكم
النفاق والكذب والرياء
أبدعتم في نسجها
أبهرتموني يا بني آدم
وبغض النظر عن ما يحمله المخاطبون من مشاعر سلبية تجاه المتحدث واتهامه لهم بـ "النفاق والكذب والرياء" تظهر المفارقة في قوله "أبدعتم في نسجها" و "أبهرتوني يا بني آدم"، حيث يحمل المدح الظاهري سخرية عميقة وتهكمًا بالبشر وأفعالهم الدنيئة، بل هي شهادة له منهم بأنهم تفوقوا عليه في إضمار الغل والحقد.
وهنا تتناص فكرة عودة إبليس مع فكرة عودة " أوديسيوس" حيث اشترك العائدان في الرجوع ثانيةً، لكنهما اختلفا، قطعًا في ماهية الرجوع، لأن الشر في عودة إبليس يقابله كل الحب والاشتياق للمحبوبة والحنين إلى الوطن الذي عاد بهما أوديسيوس. متأثرة بـ باختين للغاية، تؤكد (Kristeva, J . (1969) بـ مصطلح "التناص" (intertextualité) أواخر الستينيات، أن أي نص هو "فسيفساء اقتباسات" يتشكل بتقاطع وتحويل نصوص وخطابات ثقافية أخرى عبر آلية "النقل" (transposition)، وليس كيانًا أصيلًا منعزلًا، مما يحدد معناه وموقعه الثقافي والإيديولوجي.
يتماس النص، أيضًا، بشكل أقوى مع التلمود والتوراة والإنجيل في تصوير إبليس كشخصية مركزية للشر والإغواء بمشاعر سلبية تجاه البشر، وسعيه لـ إغوائهم بالنفاق والكذب والرياء، إذ توحي لفظة "افتقدتموني" بالسخرية و تهكمه بالبشر.
يقول حافظ، على لسان إبليس:
أسجدوا
وإلعنوني
ثم تابعوا حياتكم
الممتعة بالسرقة
و الرشوة و الفساد
واديانكم
التي قسمتوها مذاهاب
وشيع وجماعات
يعكس التناقض بين فعلي الأمر("اسجدوا" و "إلعنوني") إجبار بالخضوع والرفض في آن واحد، يليها استنكار ساخر لاستمرار المخاطبين في حياة "ممتعة" بالسرقة والرشوة والفساد، وينتهي بنقد ما آل إليه البشر من تشرذم ديني فيقول: ("أديانكم التي قسمتوها مذاهب وشيع وجماعات")، مما يعكس استياء وازدراء صاحب الغواية الرئيسية من الذين أضلهم، فقد تفوقوا عليه شرًا وفسوقًا حتى أنه هو نفسه اشمأز من دونيتهم، فازداد بذلك لهم بغضًا إلى بُغضْ.
يقول:
الليلة ليست ككل ليلة
الليلة اليوم عن القدر
ولن نكمل صراعي مع آدم
فأنا استمتع باللعب بالزمكان
وأدخلكم معي في التية و الدائرة
يعترف إبليس هنا أنه جاء لكي يغويهم بحكم القدر، أي أنه لم يختر ذلك، ولكنه اختير ليقوم بدور المغوي، وهنا يعترف بالقدر ويبدى رضوخًا وامتثالًا له. من الجدير بالذكر أن رمزية "التيه" في الكتاب المقدس (التثنية 2: 7؛ الخروج 16: 35) والقرآن (المائدة: 26) إلى الضياع والاختبار، وفي التصوف إلى البحث الروحي المضني (السراج الطوسي، اللمع في التصوف). بينما ترمز "الدائرة" في الكتاب المقدس (إشعياء 40: 22) إلى الأبدية والكمال الإلهي، وفي التصوف إلى وحدة الوجود ودوران الحقائق الروحية (ابن عربي، الفتوحات المكية). في سياق النص، قد يشير استخدام إبليس لهذه المصطلحات إلى إضلال بني آدم وحبسهم في دورة من الضلال، مع إمكانية تأثيره على أقدارهم بـ "اللعب بالزمكان". أما فكرة التلاعب بالزمان والمكان، فقد شاعت طويلًا في العديد من الأساطير، حيث تمتلك الكائنات الإلهية أو الخارقة قدرات تتجاوز حدود الواقع البشري. ويوازي دخول "التيه والدائرة" رحلات الأبطال في عوالم أخرى أو مواجهتهم لدورات أبدية من الأحداث، أو لفكرة " بساط الريح". يجدر القول أن الزمكان هنا ليس مصطلحًا شائعًا في النصوص الدينية القديمة بهذه الصيغة الحديثة، ولكنه يشير إلى مفاهيم تتعلق بخلق الله للكون وسيطرته على الزمان والمكان. استمتاع إبليس باللعب به قد يعكس محاولته تحدي هذه السيطرة أو التأثير على الواقع البشري.
يُنظر إلى القدر، وإن اختلفت تفاصيله، على أنه علم الله المسبق بكل شيء، أو التدبير الإلهي للأحداث، وما ربط إبليس بإقراره بـ "القدر" إلا نوعًا من المكر، من منظور شيطاني ساخر متهكم ضال ومضلل.
إذ لمَّا يزل، وإلي أن تقوم الساعة، الشيطان عدو البشر، والصراع معه هو صراع أزلي بين الخير والشر أو الإغواء والمقاومة. وما إعلان توقف هذا الصراع من قبل إبليس إلا نوع من الإعلان عن بدءمؤامرات جديدة.
ويرتبط التيه في التوراة بتيه بني إسرائيل في الصحراء، وهو رمز للضياع والاختبار. في سياق إبليس، قد يمثل إضلاله للبشر، أما ادعاء إبليس معرفة السر أو قراءته عليهم فإنما يمثل تحديَه السافر للسلطة الإلهية.
وفي هذا، يتناول علم اللاهوت بشكل معمق مسألة القدر الإلهي وحرية الإرادة البشرية. تقديم إبليس كقارئ للقدر يمكن أن يكون استكشافًا لاهوتيًا من منظور مختلف، ربما يسلط الضوء على دور الشر في فهمنا للمصير، مثلًا!!
يقدم النص رؤية شعرية مكثفة تتناول مفهوم القدر من منظور فريد، ربما تجعل القاريء ينصت بعض الوقت لإبليس لعله يسمع منه جديدًا، ولكن هل يُعقل أن يكون إبليس " طالع بمنظرين؟!!
يستخدم النص رموزًا ودلالات مستمدة من السياقات الدينية والفلسفية والأساطير، ولكنه يعيد صياغتها في إطار شعري يوحي بتحدي المفاهيم التقليدية. يستخدم الكاتب لغة قوية ومثيرة للتساؤلات، تربط بين الأسطوري والديني والفلسفي. فهل هناك بالفعل من ينصت إلى إبليس محي حافظ في هذه الليلة، الخاصة؟!!
يقول:
ولأقرأ لكم بني آدم
أنا بليا بن ملكان بن فالغ بن عابد
بن شالح بن أرفخشد بن سام
بن نوح عليه السلام
الخضر
وهنا، لابد أن أسوق لكم التسلسل الجيني للسلالة، حيث يقدم النص تحليلًا لدلالات أسماء في سياق ديني، بدءًا بنسب افتراضي ينتهي بنوح عليه السلام، حيث تُعزى لـ "فالغ" دلالة تقسيم الأرض (التكوين 10: 25، 11: 16-19؛ الطبري)، ولـ "شالح" مكانة في الأنساب (التكوين 11: 12-15؛ الطبري)، ولـ "أرفخشد" و "سام" دورهما كأجداد (التكوين 10: 22، 11: 10-13؛ 5: 32، 6: 10؛ الطبري؛ القرآن)، بينما يُعد "نوح" شخصية مركزية في قصة الطوفان (التكوين 6-9؛ القرآن). أما "الخضر"، فيُعتبر شخصية غامضة ذات حكمة باطنة (القرآن، سورة الكهف). وبالبحث، يُلاحظ غياب أسماء "بليا" و "ملكان" في الأنساب النبوية المعروفة في الأديان الإبراهيمية.
ويقول:
لُقِّبْتُ بالخضر ليأخد إسمي من صفتي
وهي سر الحياة
فـ الخاء...هي حرف الحاء رمز الحياة
وأضيفت لها نقطة لتكون خاء الخلود
والضاد ...من الضياء أو الضوء الذي هو مجمع النور
والراء هي الرحمة التي وهبني إياها
رب العالمين وذكرها في كتابه الكريم
أتيناه رحمة من عندنا ®
ومن هنا ..فأنا الضوء الخالد
يقدم النص تعريفًا ذاتيًا لشخصية "الخضر" من خلال نسب يربطه بنوح عليه السلام لتأكيد قِدَمُهَ وحكمته، ثم يحلل لقبه صوتيًا ورمزيًا، رابطًا كل حرف بدلالات الحياة ("خاء الخلود") والنور ("الضاد") والرحمة الإلهية ("الراء" المستشهد عليها بالقرآن الكريم)، ليستنتج هويته كـ "الضوء الخالد"، مع الإشارة إلى أن هذا التفسير الصوتي والرمزي شائع في التقاليد الباطنية والصوفية ولكنه قد يفتقر إلى أساس لغوي موضوعي، بينما يضفي الاستشهاد القرآني مصداقية دينية في السياق الإسلامي، ويسعى تقديم الهوية عبر النسب واللقب والتفسير الذاتي إلى بناء صورة شخصية ذات مكانة تاريخية وروحية خاصة.
وكما يقول الكاتب:
ومن يملك العلم يملك البشر
...
...
فمن وثق صلته بالله جل جلاله
وصل إلى نتائج تفوق كل ما يمكن
أن يبلغه بطرق أخرى
فجأة، ينطق إبليس محي حافظ الحكمة؛ يقدم النص رؤية تراتبيةَ المعرفة؛ أسباب تؤدي إلى نتائج، علم يؤدي إلى صلة بالله، ووصول إلى المراتب العلا؛ تبدأ بالعلم كمصدر للقوة والتأثير ("ملك البشر" كمفهوم لقوة المعرفة)، ثم يستعرض مصادر المعرفة الدينية ("علوم صحف الأنبياء") والعقلية ("العلوم الظاهرة والروحية")، ليبلغ ذروته في التأكيد على الصلة الوثيقة بالله كمصدر أسمى للمعرفة والإدراك ("نتائج تفوق كل ما يمكن أن يبلغه بطرق أخرى")، مما يطرح فكرة تكامل العلم والدين وتراتبية مصادر المعرفة من منظور ابستمولوجي.، والذي تعني ببساطة كيف نعرف ما نعرفه، وما مدى صحة وموثوقية هذه المعرفة.
ويقول:
مهلًا
مهلًا
...
.....
وإليكم بقية الصحف التي تروي
مالم يُروى من قبل والمسكوت عنه
عبر الأزمان وكتبكم المحرفة
يؤكد المتحدث ("إبليس") على جدية سرده، رابطًا أفعاله بالقدر ("العبث بالزمان والمكان قدر لي") ومشيراً إلى تفاوت فهم بني آدم لرسالته، مع وجود قلة مختارة ستدركها. يدعوهم لمتابعة سرده "قراء الصحف" الذي يصف فيه حالهم بالضياع"المتاهة"، بينما يستمتع هو بحيرتهم، ويقدم نفسه بسخرية منهم أنه هو مُخَلِّصَهُم. يختتم بالإشارة إلى كشف حقائق جديدة أو مختلفة عن الروايات الدينية المعروفة "كتبكم المُحَرَّفة"، مستندًا ضمنيًا إلى مفاهيم دينية كالقدر، ودور إبليس في الإغواء، وفكرة تحريف الكتب السماوية ؛ تُرى! ماذا يقصد الكاتب على لسان إبليس هنا؟ ولماذا أراني أهتم بإلقاء الضوء على هكذا نص؟! الواقع، أنا أفعل هذا طوال الوقت مع النصوص المفكرة، من باب إطاعة أمر الله في قوله:" أفلا يتفكرون" " أوليس لهم قلوب يفقهون بها"، وهكذا...
وفيا يروي النص لقاء موسى بـ "الخضر" ("كليم الله") في "مجمع البحرين" لتعلم الحكمة الباطنة، وهي قصة تتفق مع الرواية القرآنية (الكهف: 60-82) وتفسيرها (الطبري، ابن كثير)، حيث يرفض الخضر في البداية ثم يوافق بشرط عدم الاعتراض على أفعاله الغامضة (ذبح البقرة، إقامة الجدار، قتل الغلام، خرق السفينة، الدعاء لأقوام مختلفين)، يختتم إبليس اللقاء بوصلة توبيخ للبشر، وإعلان اختفاء الخضر، ثم يسجل توقيعه على هذه "الصحف"، مشيرًا إلى متاهة بني آدم، و الكتب المقدسة المحرفة، مما يطرح أسئلة ملحة حول مسألة القدر والغواية، ويشير بأصابع الاتهام إلى إبليس في أنه سيظل العدو الأول والأخير السرمدى الأبدي للبشر مهما حاول البعض، عن قصد، أو غير عمد، تحويل الأسود إلى أبيض.
د النص بأسلوب سردي فريد ينسبه "إبليس الطاووس العابد" إلى "صحف شيث" المسروقة، تقديم القصة القرآنية للقاء الخضر و موسى ({الكهف}، 60-82)،وفيه يُبرز التفسير الباطني لأفعال الخضر وكيف كان للحكمة والعدل الإلهي المتجاوز للفهم البشري دور البطولة، رغم ما يعتريني أنا كناقد من تساؤلات حول توصيف ما قام به الخضر من قتل، وتخريب، من أجل إقامة دولة العدل الإلهي، الذي لابد له من حكمة، ولكن بموجب قانون تلك الأرض الذي وقعت فيها أفعال الخضر، هل لي أن أسأل كيف قتل الخضر، وخَرَقَ السفينة دون أن يناله العقاب المتعارف عليه إبان ظهوره، أم كان تأويل القتل وخرق السفينة مغايرًا لما تعرفه قواميسنا وقوانينا اليوم؟!! وإذا ما كان استياء نبي الله موسى من جرائم، وفق قوانين تربى عليها موسى، كيف لي أنا أن أفهم أو أترجم للأمر، رغم ما وراءه من حكمة، كيف مرَّ مرور الكرام؟!! وكيف أن أسئلة موسى المشروعة، واستياءه من قيام الخضر بالقتل والتخريب قوبلت، بفصله من حلقة الدرس، بإنهاء تلقينه العلم؟!!
تلك هي قراءتي لنص" ليلة خاصة"، وهي بالفعل خاصة، ولـ خاصة الخاصة، وربما لا يتوجب على طرحها إلى الطريق، ولكن هذا أيَضًا، قَدَري أن أكون صاحبة قلم مجادل ومفك، يخطىء ثم يعود لـ يخطىء، فـ" مهلًا..." ... " وفوق كل ذي علمٍ عليم."
المصادر:
Kristeva, J. (1969). Sēmeiōtikē: recherches pour une sémanalyse. Éditions du Seuil.
Kelly, J. N. D. (1986). Early Christian Doctrines (Revised ed.). HarperCollins.
Pagels, E. (1995). The Origin of Satan. Vintage Books.






0 تعليقات